محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

صواع الملك ، فبدأ في تفتيشه بأوعية إخوته من أبيه ، فجعل يفتشها وعاء وعاء قبل وعاء أخيه من أبيه وأمه ، فإنه أخر تفتيشه ، ثم فتش آخرها وعاء أخيه ، فاستخرج الصواع من وعاء أخيه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ذكر لنا أنه كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قذفهم به ، حتى بقي أخوه ، وكان أصغر القوم ، قال : ما أرى هذا أخذ شيئا ، قالوا : بلى فاستبره ، ألا وقد علموا حيث وضعوا سقايتهم . ثم استخرجها من وعاء أخيه حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : فاستخرجها من وعاء أخيه ، قال : كان كلما فتح متاعا استغفر تائبا مما صنع ، حتى بلغ متاع الغلام ، فقال : ما أظن هذا أخذ شيئا ، قالوا : بلى ، فاستبره حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي ، قال : فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ فلما بقي رحل الغلام ، قال : ما كان هذا الغلام ليأخذه قالوا : والله لا يترك حتى تنظر في رحله ، لنذهب وقد طابت نفسك فأدخل يده فاستخرجها من رحله حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما قال الرسول لهم : وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ قالوا : ما نعلمه فينا ولا معنا . قال : لستم ببارحين حتى أفتش أمتعتكم وأعذر في طلبها منكم . فبدأ بأوعيتهم وعاء وعاء ، يفتشها وينظر ما فيها ، حتى مر على وعاء أخيه ففتشه ، فاستخرجها منه ، فأخذ برقبته ، فانصرف به إلى يوسف . يقول الله : كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : ذكر لنا أنه كان كلما بحث متاع رجل منهم استغفر ربه تأثما ، قد علم أين موضع الذي يطلب . حتى إذا بقي أخوه وعلم أن بغيته فيه ، قال : لا أرى هذا الغلام أخذه ، ولا أبالي أن لا أبحث متاعه قال إخوته : إنه أطيب لنفسك وأنفسنا أن تستبرئ متاعه أيضا . فلما فتح متاعه استخرج بغيته منه ؛ قال الله : كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ واختلف أهل العربية في الهاء والألف اللتين في قوله : ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ فقال بعض نحويي البصرة : هي من ذكر " الصواع " ، قال : وأنث وقد قال : وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ لأنه عنى الصواع . قال : والصواع مذكر ، ومنهم من يؤنث الصواع ، وعني هاهنا السقاية ، وهي مؤنثة . قال : وهما اسمان لواحد مثل الثوب والملحفة مذكر ومؤنث لشيء واحد . وقال بعض نحويي الكوفة في قوله : ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ ذهب إلى تأنيث السرقة ، قال : وإن يكن الصواع في معنى الصاع ، فلعل هذا التأنيث من ذلك . قال : وإن شئت جعلته لتأنيث السقاية . قال : والصواع ذكر ، والصاع يؤنث ويذكر ، فمن أنثه قال : ثلاث أصوع ، مثل ثلاث أدور ، ومن ذكره قال : أصواع ، مثل أبواب . وقال آخر منهم : إنما أنث الصواع حين أنث لأنه أريدت به السقاية وذكر حين ذكر ، لأنه أريد به الصواع . قال : وذلك مثل الخوان والمائدة ، وسنان الرمح وعاليته ، وما أشبه ذلك من الشيء الذي يجتمع فيه اسمان : أحدهما مذكر ، والآخر مؤنث . وقوله : كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ يقول : هكذا صنعنا ليوسف حتى يخلص أخاه لأبيه وأمه من إخوته لأبيه ، بإقرار منهم أن له أن يأخذه منهم ويحتبسه في يديه ويحول بينه وبينهم ؛ وذلك أنهم قالوا إذ قيل لهم فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ : جزاء من سرق الصواع أن من وجد ذلك في رحله فهو مسترق به ، وذلك كان حكمهم في دينهم . فكاد الله ليوسف كما وصف لنا حتى أخذ أخاه منهم